محمد حسين الذهبي

429

التفسير والمفسرون

وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » فيقول : ( النور اسم مشترك لمعنيين : ذاتي ومستعار ، والذاتي هو كمال المشف من حيث هو مشف كما ذكرها أرسطاطاليس ، والمستعار على وجهين : إما الخير ، وإما السبب الموصل إلى الخير ، والمعنى هاهنا هو القسم المستعار بكلى في قسميه . . أعنى أن اللّه تعالى خير بذاته وهو سبب لكل خير ، كذلك الحكم في الذاتي وغير الذاتي . وقوله « السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » عبارة عن الكل . وقوله « مشكاة » فهو عبارة عن العقل الهيولاني والنفس الناطقة ؛ لأن المشكاة متقاربة الجدران جيدة التهى . للاستضاءة ؛ لأن كل ما يقارب الجدران كان الانعكاس فيه أشد ، والضوء أكثر ، وكما أن العقل بالفعل مشبه بالنور ، كذلك قابله مشبه بقابله وهو المشف ، وأفضل المشفات الهواء ، وأفضل الأهوية هو المشكاة ، فالمرموز بالمشكاة هو العقل الهيولاني الذي نسبته إلى العقل المستفاد كنسبة المشكاة إلى النور ، والمصباح هو عبارة عن العقل المستفاد بالفعل ؛ لأن النور كما هو كمال للمشف كما حدبه الفلاسفة ومخرج له من القوة إلى الفعل ، ونسبة العقل المستفاد إلى العقل الهيولاني كنسبة المصباح إلى المشكاة . وقوله « في زجاجة » لما كان بين العقل الهيولاني والمستفاد مرتبة أخرى وموضع آخر نسبته كنسبة الذي بين المشف والمصباح ، فهو الذي لا يصل في العيان المصباح إلى المشف إلا بتوسط وهو المسرجة ، ويخرج من المسارج الزجاجة لأنها من المشفات القوابل للضوء . ثم قال بعد ذلك « كأنها كوكب درى » ليجعلها الزجاج الصافي المشف ، لا الزجاج الذي لا يستشف ، فليس شئ من المتلونات يستشف « توقد من شجرة مباركة زيتونة » يعنى به القوة الفكرية التي هي موضوعة ومادة للأفعال العقلية ، كما أن الدهن موضوع ومادة للسراج . . . ) « 1 » وهكذا استمر ابن سينا في شرح هذه الآية فارجع إليه إن شئت ، وسترى أن شرحه هذا مزيج من فكرتى أفلاطون وأرسطو حيث جمع فيه بين ما يعرف لأفلاطون من التعبير ؛ ( الخير ) و ( الكل ) ، وما يعرف لأرسطو من أقسام العقل .

--> ( 1 ) رسائل ابن سينا ص 125 - 128 .